سقوط بيت الأسد كما يرويه الخارج
سقوط آل الأسد
اخترنا ترجمة هذا النص من مجلة The Atlantic، لأنه لا يكتفي بتوصيف سقوط نظام الأسد، بل يحاول تفكيك ما يعنيه ذلك بعد عقود من الحكم، ويُظهر كيف كُتبت تلك اللحظة في الصحافة الغربية. نقدّمه هنا بالعربية وعلى حبر سوري لأنه يضيف طبقة قراءة مختلفة إلى النقاش حول ما جرى وحول ديكتاتورية آل الأسد في سوريا.
النصّ مترجماً
سقوط آل الأسد
بقلم: روبرت ف. وورث – ترجمة: حبر سوري
6 شباط 2026

يسقط بعض الطغاة وهم يقاتلون. يُشنق بعضهم وتُعلّق جثثهم ليبصق عليها ضحاياهم. ويموت بعضهم في فراشهم.
أما بشار الأسد، الذي أشرف على تعذيب وقتل مئات الآلاف من السوريين خلال ربع قرن في السلطة، فقد يكون حقق إنجازًا جديدًا في سجلّات الاستبداد.
مع اقتراب قوات المتمرّدين من دمشق في 7 كانون الأول/ديسمبر 2024، طمأن الأسد مساعديه ومرؤوسيه بأن النصر قريب، ثم فرّ ليلًا على متن طائرة روسية، دون أن يُبلغ أحدًا تقريبًا. أتذكّر أنني رأيت في تلك الليلة بيانًا رسميًا يؤكد أن الأسد موجود في القصر ويؤدي «واجباته الدستورية». بعض أقرب مساعديه انطلت عليهم الخدعة، واضطروا إلى الفرار من البلاد بأي وسيلة، بينما كانت الميليشيات المتمرّدة تُضيء سماء العاصمة بإطلاق النار احتفالًا.
كانت خيانة الأسد صادمة إلى حد أن كثيرين لم يصدقوها في البداية. وحين أصبحت الحقائق غير قابلة للإنكار، تحوّل ولاء آلاف الأشخاص بسرعة إلى غضب عارم. أقسم كثيرون أنهم كانوا يكرهونه سرًا منذ زمن. وللعرب تعبير يصف هذا النوع من الذاكرة المُعاد تشكيلها: «عندما تسقط البقرة، يكثر الجزارون».
لكن المشاعر كانت حقيقية لدى كثيرين، وكذلك الاعتقاد بأن الأسد هو المسؤول الأوحد عمّا آل إليه الحال. قال لي الصحفي والمحرر السوري إبراهيم حميدي:
«لا يزال بإمكانك أن تجد من يؤمن بالقذافي أو بصدام حسين. لكن لا أحد اليوم يؤمن ببشار الأسد، ولا حتى أخوه».
وضع الانهيار المفاجئ لنظام الأسد حدًا لدولة بوليسية وحشية، لكنه ترك خلفه فراغًا: لم يعد هناك، فعليًا، دولة سورية خارج العاصمة. الزعيم الجديد للبلاد، أحمد الشرع، نجح ببراعة في استمالة دونالد ترامب وغيره من قادة العالم. لكنه إسلامي، وسلطته هشة، وبلاده لا تزال شديدة التقلب، إلى درجة قد تنزلق معها بسهولة إلى حرب جديدة.
لم يكن أحد — لا الـCIA ولا الموساد — يتوقع سقوط الأسد بهذه السرعة. غير أنّ تفسيرًا بدأ يشيع بعد أيام: داعمو الأسد، روسيا وإيران، انشغلوا بصراعات أخرى في أوكرانيا وإسرائيل، ولم يعودوا قادرين على حمايته. انسحابهم المفاجئ كشف ما كان واضحًا منذ سنوات: ضعف جيش منهك، فاسد، وسيئ الأجور.
بأثر رجعي، بدا سقوط النظام وكأنه حتمي، شبيهًا بانهيار النظام الأفغاني المدعوم أمريكيًا عام 2021، ضحية إعادة اصطفاف جيوسياسي أوسع.
لكن خلال العام الماضي، تحدثتُ مع عشرات من رجالات القصر والضباط الذين عاشوا في أروقة السلطة بدمشق، ورووا لي قصة مختلفة تمامًا.
يرسم هؤلاء صورة حاكم منفصل عن الواقع، مهووس بالجنس وألعاب الفيديو، كان بإمكانه — على الأرجح — إنقاذ نظامه في أي وقت خلال السنوات الأخيرة، لولا عناده وغروره.
في هذه الرواية، لم تكن الجغرافيا السياسية هي التي أسقطت النظام. لم تكن هناك دولة في المنطقة تريد سقوط الأسد. بل على العكس، عرضت عليه عدة دول «أطواق نجاة». لو تمسّك بأيٍّ منها، لكان لا يزال جالسًا في القصر. حتى في أيامه الأخيرة، كان وزراء خارجية يتصلون به ويعرضون صفقات. لكنه لم يرد. بدا غاضبًا، متجهّمًا، وكأنه يرفض مجرد فكرة التخلي عن العرش.
في النهاية، قد يكون أنصاره الغاضبون محقين: كل شيء كان يتعلق ببشار نفسه.

لعلّ سبب ثقته المفرطة أنّه سبق أن نجا من تجربة موت سياسي شبه مؤكدة.
حين وصلت انتفاضات الربيع العربي إلى سوريا عام 2011 وتحولت إلى حرب أهلية، حمل قطاع واسع من الشعب السلاح ضد الحاكم، ولم يكن أحد يتوقع بقاء الأسد. قال باراك أوباما عام 2012: «لا شك لدي أن نظام الأسد سيكتشف قريبًا أن قوى التغيير لا يمكن عكسها».
حتى أن وزارة الخارجية الأمريكية موّلت مشروع «اليوم التالي» للتحضير لسوريا ما بعد الأسد. طُلب مني في نيويورك تايمز كتابة نعي لسلالة الأسد، واعتقدت حينها أن عليّ إنجازه بسرعة. لا يزال محفوظًا في ملفاتي.
كان من المرجّح أن يُنشر ذلك النعي في عام 2015، لولا تدخّل عاملٍ خارق أشبه بـ«الآلة الإلهية» اسمه فلاديمير بوتين. فقد غيّر التدخل الروسي، الذي بدأ في أيلول/سبتمبر من ذلك العام، كل شيء بالنسبة إلى الأسد. موجات من الغارات الجوية القاتلة التي شنّتها طائرات سوخوي وتوبوليف الروسية، بالتنسيق مع ميليشيات إيرانية وشيعية، قلبت زخم المعركة، ووجّهت ضربات قاسية لقوات المعارضة. وبحلول ذلك الوقت، كانت المعارضة السورية، التي قادها في بداياتها محتجّون سلميون، قد أصبحت خاضعة لهيمنة إسلاميين منقسمين وضعفاء، يمكن بسهولة جمعهم في سلة واحدة مع الوحشيات المصوّرة والجذّابة إعلاميًا لتنظيم «الدولة الإسلامية» المعروف باسم داعش.
بحلول أواخر عام 2017، كان الأسد قد فاز بالحرب إلى حدٍّ كبير. سيطر نظامه على المدن الرئيسية، وانحصرت المعارضة في محافظة إدلب شمال غربي البلاد، حيث كان قائد سابق في تنظيم القاعدة يُدعى أحمد الشرع (وكان يُعرف حينها باسم أبو محمد الجولاني) يبرز بوصفه شخصية قيادية.
ذلك الانتصار الخادع، كما أخبرني كثير من السوريين، كان اللحظة التي بدأ فيها كل شيء يسير نحو الخطأ. لم يبدو أن الأسد فهم أن انتصاره كان فارغًا من مضمونه. فقد تحوّلت مساحات واسعة من بلاده إلى أنقاض. وانكمش الاقتصاد إلى ما يقارب العدم، بينما زادت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا من خنقه. كما جرى رهن جزء من سيادة سوريا لروسيا وإيران، اللتين كانتا تضغطان على دمشق لتحصيل الأموال مقابل استثمارهما في الصراع. أما أنصار الأسد، الذين عانوا سنوات طويلة من الحرب والمشقّة، فلم يكونوا مستعدين للصبر إلى الأبد. ومع انتهاء القتال، بدأوا يتوقعون نوعًا من الانفراج.
كان بإمكان الأسد أن يمنح شعبه ما يريد. فالدول العربية الخليجية كانت تمتلك المال والنفوذ الكافيين لإعادته من العزلة، وفي عام 2017 بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة بالتواصل مع دمشق. لكن لذلك شرطًا، هو نفسه الذي سعت إليه منذ ما قبل الحرب الأهلية: أن يبتعد الأسد عن إيران. فقد كان العرب الخليجيون يرون منذ زمن طويل في الثيوقراطيين الثوريين في طهران أكبر تهديد لهم، وكان تحالف سوريا الطويل الأمد معهم — الذي أسّسه والد بشار، حافظ الأسد — نقطة خلاف مؤلمة مع سائر القادة العرب.
بالنسبة إلى سوريا، كان استبدال الرفقة المشبوهة لإيران بثروة الخليج يبدو خيارًا منطقيًا إلى حدٍّ كبير. لكن كانت هناك مشكلة: هذا الخيار لم يكن بالضرورة الأفضل لعائلة الأسد. فعلى خلاف دول الخليج والغرب، كان الإيرانيون قد أوضحوا دائمًا أنهم سيفعلون أي شيء لإبقاء الأسد في السلطة. وكل ما كان مطلوبًا منه في المقابل هو الاستمرار في تسهيل مرور السلاح والمال الذي تقدمه طهران عبر الأراضي السورية إلى حزب الله، الميليشيا اللبنانية القوية التي تُعد اللاعب الأبرز في «محور المقاومة» الإيراني.
وقد توصّل الأسد فعلًا إلى تقارب محدود مع الإماراتيين، الذين أعادوا فتح سفارتهم في دمشق عام 2018. لكنه رفض قطع علاقاته مع إيران. خالد الأحمد، وهو لاعب سياسي بارع من الدائرة الضيقة للأسد، كان قد تفاوض على الاتفاق مع الإماراتيين واعتقد لفترة وجيزة أن انتقالًا سياسيًا حقيقيًا قد يكون ممكنًا، لكنه خلص في النهاية إلى أن الأسد غير قادر على تغيير مساره. قال لي عن الأسد: «قررتُ أنه فيلٌ ميت في الغرفة». (الأحمد يعمل اليوم مستشارًا للحكومة السورية الجديدة).
في تلك الفترة تقريبًا، توصّل مسؤول شاب في جهاز الأمن القومي الإسرائيلي إلى الاستنتاج نفسه، وبدأ يحثّ رؤساءه على تنظيم انقلاب داخلي ضد الأسد. لطالما نظر الإسرائيليون إلى الأسد بوصفه عدوًا يمكن التحكم به — شخصًا يردّد الشعارات المعتادة عن «العدو الصهيوني» لكنه يحافظ على هدوء الحدود بين البلدين. غير أن هذا المسؤول الإسرائيلي، الذي لم يعد في الخدمة الحكومية وتحدث إليّ بشرط عدم كشف هويته، قال إنه بدأ قرابة عام 2019 يخشى أن يكون الأسد ضعيفًا إلى درجة تجعله غير موثوق. وأضاف: «كان النظام مجرد قشرة فارغة».

تردّدَت القيادة الإسرائيلية إزاء مقترح الانقلاب. كانت الفكرة قد نوقشت على فترات متقطعة عبر السنين في تل أبيب وواشنطن، لكنها لم تتقدّم كثيرًا، وربما يعود ذلك إلى أن والد الأسد كان قد أنشأ عمدًا نظامًا يُبقي أي منافسين محتملين تحت السيطرة أو المراقبة الدائمة.
قال المسؤول الإسرائيلي السابق:
«كان الجميع في المنطقة مرتاحين لوجوده هناك. ضعيف، ولا يشكّل تهديدًا لأحد».
يبدو أن الأسد أخطأ في تفسير هذا الإجماع الضمني بوصفه قوة. قال لي مسؤول سياسي سابق في حزب الله، كان كثير التواجد في سوريا خلال تلك السنوات (وطلب عدم الكشف عن اسمه خوفًا من العواقب):
«كان بشار يعيش في عالم خيالي. الإيرانيون بحاجة إليّ. الروس ليس لديهم خيار. أنا الملك».
بدأ داعمو الأسد يتذمّرون، لكن الزعيم السوري لم يكن يصغي. في عام 2019، قال المسؤول السابق في حزب الله، بدأ الروس والإيرانيون يضغطون عليه لإجراء إصلاحات رمزية في معظمها، من شأنها استرضاء الدول الغربية وتخفيف عبء العزلة الاقتصادية عن سوريا. لكن الأسد كان يكذب ويماطل، بحسب قوله. وقال وزير الخارجية الإيراني آنذاك، محمد جواد ظريف، في مقابلة حديثة مع قناة الجزيرة، إنه حثّ الأسد على «الانخراط مع المعارضة»، غير أن الزعيم السوري، «السكران بالنصر»، كان يماطل.
ربما كان المثال الأكثر لفتًا للانتباه على غباء الأسد خلال إدارة ترامب الأولى. ففي عام 2020، أرسلت واشنطن مسؤولَين، روجر كارستنز وكاش باتيل، إلى لبنان للبحث عن أوستن تايس، وهو صحفي أمريكي اختفى في سوريا عام 2012 وكان يُعتقد أنه في قبضة نظام الأسد. عباس إبراهيم، الذي كان حينها مدير عام الأمن العام اللبناني، اصطحب الرجلين إلى دمشق، حيث التقيا بأحد كبار المسؤولين الأمنيين لدى الأسد، وهو شخصية شديدة الرهبة تُدعى علي مملوك. طرح الأمريكيون قضية تايس، كما روى لي كارستنز، فردّ مملوك بأن على الولايات المتحدة رفع العقوبات وسحب قواتها من سوريا قبل مناقشة أي طلب أمريكي. أما إبراهيم، الذي شارك في الاجتماع ويتذكر بعض التفاصيل بشكل مختلف، فقال لي إنه اعتبر كلام مملوك مجرد خطوة افتتاحية، ولم يتوقع قط أن يقدم الأمريكيون على تنازلات بهذا الحجم.
لكن، وعلى نحو فاجأ إبراهيم ومملوك معًا، أشارت الحكومة الأمريكية إلى استعدادها لإبرام صفقة مقابل إثبات أن تايس ما يزال حيًا. سافر إبراهيم بعد ذلك إلى واشنطن، حيث أُبلغ بأن ترامب صادق على الموقف الأمريكي. غير أن دهشة إبراهيم كانت أكبر حين تلقّى رد الأسد: لا صفقة، ولا مزيد من المحادثات. سأل إبراهيم عن السبب، فأبلغه مملوك أن ذلك كان «لأن ترامب وصف الأسد بالحيوان» قبل سنوات.
قال إبراهيم لنظيره السوري إن هذا جنون. فحتى لو كان تايس قد توفي، فإن الأمريكيين كانوا سيلتزمون بالصفقة ما دام بإمكانهم معرفة ما الذي حدث له و«إغلاق الملف». (وقد صدرت تقارير متضاربة عمّا حلّ بتايس، من بينها بعض الروايات التي تلمّح، من دون دليل، إلى أن ضابطًا في نظام الأسد ربما قتله). استعاد إبراهيم ما قاله لي عن حماسة الأمريكيين:
«تلقيت اتصالًا من بومبيو مرة؛ قال لي: أنا مستعد أن أطير بطائرة خاصة إلى سوريا، ومستعد لمصافحة أيّ شخص».
(لم يردّ بومبيو ولا باتيل على طلباتي للتعليق).
كانت تلك «فرصة ذهبية» للأسد، كما قال إبراهيم، إذ كان بإمكانه على الأرجح أن يلتقي مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، ويبلغه بنبرة اعتذارية أن النظام لا يعرف ما الذي حدث لتايس. مجرد عقد ذلك اللقاء كان سيمنح الأسد شرعية جديدة، ويجعل دولًا أخرى أكثر استعدادًا للتواصل معه.
جدّدت إدارة بايدن العرض في عام 2023، فأرسلت وفدًا رفيع المستوى إلى سلطنة عُمان للقاء مسؤولين سوريين بشأن أوستن تايس. هذه المرة، قال إبراهيم، تصرّف الأسد بطريقة تكاد تكون مهينة؛ إذ رفض حتى إرسال مسؤول رفيع للقاء الوفد. وبدلًا من ذلك، أوفد سفيرًا سابقًا تلقّى تعليمات صارمة بألّا يتطرق من قريب أو بعيد إلى قضية تايس.
إن سقوط الأسد لاحقًا، بما اتّسم به من غرور وقصر نظر، قد يبدو — عند النظر إليه بأثر رجعي — أقل إثارة للحيرة من حقيقة أنه استمر في الحكم كل تلك المدة. فالسبب في بقائه يعود إلى والده، الذي بنى نظامًا شديد الصلابة والوحشية، تمكّن من الصمود خمسةً وعشرين عامًا رغم سوء إدارة الابن. وأحد الدروس القديمة التي يمكن استخلاصها من سقوط الأسد هو هذا: أكبر نقاط ضعف جميع السلالات السياسية هي مسألة الخلافة.
كان حافظ الأسد ديكتاتورًا على الطراز الكلاسيكي: رجلًا ماكرًا قوي الإرادة، صعد من فقر الريف عبر المؤسسة العسكرية، واستولى على السلطة في انقلاب عام 1970. امتلك موهبة فريدة في تقويض خصومه والتفوّق عليهم، وجعل الديكتاتورية تبدو أمرًا طبيعيًا. وكان ذلك ما أراده كثير من السوريين بعد السنوات الفوضوية التي أعقبت نيل بلادهم الاستقلال عن فرنسا عام 1946.
«لسببٍ ما، يبدو لي أن داخل الدائرة العربية دورًا يتجوّل بلا هدف، باحثًا عن بطل»، كتب جمال عبد الناصر، الزعيم المصري صاحب الفكّ البارز، الذي جسّد ذلك الدور البطولي على أكمل وجه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأسهم في بلورة الفكرة الحديثة لما ينبغي أن يكون عليه الديكتاتور العربي.
كان بشار مختلفًا. حتى الزائرون إلى سوريا للمرة الأولى كانوا يرون أنه لا يبدو مناسبًا للدور: ذقن ضعيف، وعينان يملؤهما الذعر، ورأس وعنق ممدودان على نحو غريب، كما لو أنه عُصر بقوة زائدة في قناة الولادة. وعندما ترى صورته على إحدى اللوحات الإعلانية المنتشرة في أرجاء سوريا، كان من السهل أن ينتابك شعور بأن أحدهم ارتكب مزحة ثقيلة واستبدل رأس قائد البلاد برأس تلميذ قَلِق.
وحين يبدأ بالكلام، تصبح الصورة أسوأ. صوته رفيع وأنفي، وكان يبدو دائمًا غير مرتاح أثناء إلقاء الخطب، كأنه يتوق إلى إنهائها بأسرع وقت. وفي ثقافة تولي البلاغة والهيبة أهمية كبرى، لم يكن يمتلك أيًّا منهما.
قال لي كثيرون ممن يعرفون بشار إن افتقاره للثقة بالنفس يعود إلى سنواته الأولى. فقد كان شقيقه الأكبر، باسل، يتنمّر على إخوته الأصغر بقسوة بالغة إلى درجة شوّهت شخصياتهم بشكل دائم، كما روى لي أحد المطلعين السابقين على شؤون القصر. وتظهر هذه الديناميات العائلية بوضوح في صورة شهيرة التُقطت نحو عام 1993. يقف باسل في وسط الإطار، واثقًا بنفسه ويبدو عليه شيء من الملل، بينما يجلس والداه أمامه ويقف إخوته على الجانبين. يقف بشار إلى اليسار، وجسده مائل قليلًا إلى الخارج، وملامحه قلقة. وعلى عكس الآخرين، يبدو وكأنه ينظر إلى ما وراء المصوّر، كما لو كان يستكشف طريقًا للهروب.
وصل بشار إلى السلطة بفعل حادث. كان باسل، الضابط العسكري وفارس قفز الحواجز المعروف بلقب «الفارس الذهبي» لسوريا، هو الوريث المفترض. لكنه قُتل في حادث سير عام 1994. عندها استدعى حافظ بشار على عجل من لندن، حيث كان يتدرّب ليصبح طبيب عيون، وبدأ بإعداده ليكون الزعيم القادم.

وجد كثيرون في أوساط المعارضة السورية، في البداية، أن awkwardness بشار وخجله أمران جذّابان. فكونه لا يشبه الديكتاتور التقليدي أشعل آمالهم في أن يكون أكثر لطفًا وتسامحًا. ولمدة وجيزة، بدا أن ذلك صحيح. خلال ما عُرف بـ«ربيع دمشق» الذي تلا تولّي بشار السلطة بعد وفاة والده عام 2000، بدا أن هامش حرية التعبير قد اتسع.
لكن سرعان ما تلا ذلك قمعٌ واسع، وفي السنوات اللاحقة بدا أن نفسية الأسد تسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. فقد كان خائفًا إلى حدٍّ مرضي من أن يُنظر إليه بوصفه ضعيفًا، إلى درجة أنه بدا وكأنه يعتقد أن عليه أن يثبت، مرة بعد مرة، أنه قادر على الارتقاء إلى مستوى الوحشية المتوقَّعة منه.
تحدثتُ مع ما لا يقل عن اثني عشر شخصًا عرفوا الأسد، وجميعهم علّقوا على عناده. قال كثيرون منهم إنه لا يستمع إلى النصيحة، وغالبًا ما يبدو منزعجًا من مجرد سماعها. وقد قيلت أشياء مشابهة عن والده، الذي كان معروفًا بكونه مفاوضًا لا يلين. قال لي ديفيد ليش، الباحث في جامعة ترينيتي، الذي أجرى مقابلات مطوّلة مع بشار في العقد الأول من الألفية:
«كان على الرجلين أن يساوما ويتلاعَبا على مواقع النفوذ داخل هذا النظام المعتم من أجل الوصول إلى إجماع».
غير أن الأسد افتقر إلى الصلابة الفطرية التي امتلكها والده. ووفقًا لبعض من عرفوه ودرسوا شخصيته، فإن جموده كان يخفي نقصًا في ثقته بحكمه الشخصي.
وقال لي بعضهم إن هذا الشعور بعدم الأمان جعله أيضًا سريع التأثّر. فقد كان معجبًا على نحو خاص بحسن نصر الله، زعيم حزب الله، وهو شخصية شديدة الشعبية وذات كاريزما طاغية. ويبدو أن الأسد صدّق الدعاية التي كان نصر الله يغذّيه بها، ربما لأنها كانت ما يرغب في سماعه: أن «محور المقاومة» سيوجّه ضربة قاسية لإسرائيل، وأن الأسد سيكون بعدها قادرًا على فرض أي شروط يشاء للسلام. بعبارة أخرى، لن يكون عليه أن يتخذ أي قرارات صعبة أو يقدم أي تضحيات. كل شيء سيُقدَّم له على طبق من فضة.
في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لا بد أن الأسد تخيّل لبضع ساعات أن نبوءات نصر الله قد تحققت. فقد اجتاح مقاتلو حماس السياج الحدودي من غزة وارتكبوا مجزرة راح ضحيتها أكثر من ألف شخص. بدت إسرائيل — شمشون المنطقة — ضعيفة وغير مستعدة.
لكن سرعان ما بدأت إسرائيل بشن آلاف الغارات الجوية، ليس على غزة فحسب، بل على لبنان وسوريا أيضًا. لم يقل الأسد شيئًا عن هذه الحملة ضد حلفائه، والتي انتهت في المطاف بمقتل نصر الله نفسه. ربما كان يأمل في إبقاء اسمه خارج قائمة أهداف إسرائيل. لكن، بحسب وئام وهاب، السياسي اللبناني المقرّب من النظام السوري، فإن صمت الأسد غذّى الشكوك الإيرانية بأنه كان يزوّد الإسرائيليين بمعلومات.
كان محور المقاومة يتفكك.

كان ينبغي لكل ذلك أن يثير قلق الأسد، ولا سيما في ظل انشغال روسيا، حاميه الآخر، بالغرق في مستنقع أوكرانيا. لكن أجواء القصر لم تكن مهيّأة للتفكير الواضح. فبحسب المسؤول السياسي السابق في حزب الله الذي تحدثتُ إليه، كان الأسد يقضي جزءًا كبيرًا من وقته يلعب Candy Crush وألعاب فيديو أخرى على هاتفه. وكان قد همّش «العقول الرمادية» التي أحاطت بوالده في السابق، واعتمد بدلًا منها على دائرة ضيقة من شخصيات شابة ذات مؤهلات مشكوك فيها. إحدى هذه الشخصيات كانت صحفية سابقة في قناة الجزيرة تُدعى لونا الشبل، التي كانت عشيقة الأسد، وتولت أيضًا تأمين نساء أخريات له لممارسة الجنس، بمن فيهن زوجات ضباط سوريين رفيعي المستوى، وفقًا لمطلعين سابقين على شؤون القصر والمسؤول الإسرائيلي السابق.
تبدو الشبل، المتزوجة من أحد رجال النظام، وكأنها شجّعت لدى الأسد عادة متجذّرة في القصر تتمثل في احتقار المواطنين العاديين. ففي تسجيل صوتي ظهر في كانون الأول/ديسمبر الماضي، يمكن سماع الأسد والشبل وهما يضحكان باستخفاف على «ادعاءات» حزب الله، ويسخران من الجنود الذين يؤدّون لهما التحية أثناء مرورهما بالسيارة في أحد أحياء دمشق. ويقول الأسد، وهو خلف المقود، في لحظة ما عن السوريين الذين يمرّون في الشارع:
«يصرفون المال على المساجد، لكن لا يملكون ما يكفي ليأكلوا».
ولفهم فحش هذا التعليق، لا بد من معرفة أن الأسد كان في تلك الفترة يكدّس ثروة شخصية هائلة، معظمها من تهريب المخدرات، في وقت كان فيه كثير من السوريين على حافة المجاعة. كان الجنود العاديون يتقاضون رواتب لا تتجاوز عشرة دولارات شهريًا، أي أقل بكثير مما يحتاجونه للبقاء على قيد الحياة. أما الليرة السورية، التي كان سعر صرفها 47 ليرة مقابل الدولار، فقد وصلت بحلول عام 2023 إلى نحو 15 ألف ليرة للدولار الواحد. وازداد الفقر عمقًا بعد عام 2020، عندما فرض الكونغرس الأمريكي جولة جديدة وقاسية من العقوبات بموجب «قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا».
حتى أنصار الأسد القدامى من أبناء الطائفة العلوية — التي تنتمي إليها عائلة الأسد — بدأوا يشتكون من فقرهم المدقع. فقد أخبرني أحد أفراد عائلة الأسد المقيمين في أوروبا أنه زار سوريا عام 2021، وذهل حين اكتشف أن الضباط — من وحدة الحرس الجمهوري النخبوية — المكلفين بحماية أفراد عائلته المباشرين كانوا فقراء إلى درجة أنهم يقضون ساعات فراغهم في بيع الفاكهة والسجائر في الشوارع.
حافظ الأسد وعائلته على مستوى معيشتهم الخاص عبر تحويل سوريا إلى دولة مخدرات، حيث كان شقيق بشار، ماهر الأسد، يشرف على تصنيع وتهريب كميات هائلة من الكبتاغون، وهو نوع غير قانوني من الأمفيتامين. وقد درّت تجارة المخدرات مليارات الدولارات على الأسد، لكنها في المقابل غذّت أزمة إدمان في دول الخليج والأردن، ما أثار غضب قادتها.
يبدو أن جنون العظمة لدى الأسد اتخذ منعطفًا غريبًا جديدًا في السنوات الأخيرة. فبحسب أحمد، خلص الأسد إلى أنه بحاجة إلى «أدوات ملكية» على غرار تلك التي يمتلكها بوتين وحكّام الخليج، بما في ذلك احتياطيات نقدية كافية لتمويل الميليشيات وإعادة توجيه الاقتصاد. وتكشف تصريحات الأسد لمُحاوِر روسي خلال أشهره الأخيرة في السلطة عن لمحة من هذا التصور للسلطات الملكية. فعندما سُئل عن سلبيات الديمقراطية، قال بابتسامة تنمّ عن ازدراء:
«في الغرب، الرؤساء، وخصوصًا في الولايات المتحدة، هم مديرون تنفيذيون، لكنهم ليسوا المالكين».
في تموز/يوليو 2024، وفي وقت كانت فيه الحرب في غزة تهيمن على العناوين الإخبارية، عُثر على لونا الشبل ميتة داخل سيارتها من طراز BMW على طريق سريع خارج دمشق. ووصفت وسائل إعلام النظام الحادث بأنه تصادم سير، لكن الملابسات كانت غريبة: فبحسب بعض التقارير، لم تكن السيارة متضررة إلا بشكل طفيف، في حين كان جمجمتها مهشّمة. وسرعان ما انتشرت شائعات بأنها قُتلت بأوامر من طهران، بعد أن زوّدت الإسرائيليين بمعلومات عن الأهداف.
لكن الأسد هو من أمر بقتل عشيقته السابقة، وفق ما أخبرني به المسؤول الإسرائيلي السابق وشخصان آخران على صلة بالنظام. وقال المسؤول الإسرائيلي إن الشبل كانت قد تحولت فعليًا إلى عميلة روسية، تزود موسكو بمعلومات عن أنشطة إيران في سوريا. وربما كانت قد استشعرت أن نهاية الأسد باتت قريبة، وأنها بحاجة إلى حامٍ آخر. لم يكن من الممكن التحقق من هذه الرواية؛ إذ لا يعلّق المسؤولون الروس على شؤون الاستخبارات.
عندما يسقط طاغية، قد نُغري بتخيّل لحظة أخيرة من الوعي التراجيدي بالذات — مواجهة شخصية مع الحقيقة، كأن يعمي أوديب نفسه، أو أن يهذي ماكبث غاضبًا في العراء. لكنني لا أعتقد أن الطغاة الحقيقيين يسقطون على هذا النحو. فهم بارعون أكثر من اللازم في خداع أنفسهم.
بالنسبة إلى الأسد، بدأ الفصل الأخير في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. كانت الميليشيات المتمرّدة الخاضعة لقيادة أحمد الشرع تضغط للحصول على إذن من تركيا لإطلاق عملية عسكرية، وأخيرًا منحهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هذا الإذن. (وقد أنكرت تركيا أي تورط رسمي في العملية).
منح أردوغان الإذن على مضض. فطوال العام، كان يطلب من الأسد الاجتماع به. وكانت مطالبه متواضعة نسبيًا: مصالحة سياسية، واتفاق يسمح بعودة ملايين اللاجئين السوريين في تركيا إلى بلادهم. لكن الأسد تصرّف وكأنه يملك كل الأوراق، ورفض اللقاء ما لم يوافق أردوغان مسبقًا على سحب جميع القوات التركية من سوريا. ويبدو أن العملية التي وافق عليها أردوغان كانت تهدف إلى دفع الأسد نحو التفاوض؛ إذ جرى تأطيرها لا كغزو، بل كخطوة دفاعية.
عندما تقدّم المتمرّدون شمالًا نحو مدينة حلب في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، كان الأسد في روسيا، حيث كان ابنه يستعد للدفاع عن أطروحته للدكتوراه في نظرية الأعداد والتمثيلات كثيرات الحدود في جامعة موسكو الحكومية. ومع انهيار دفاعات حلب، بقي الأسد في موسكو، ما أثار صدمة واستياء قادته في الداخل. ويبدو أنه كان يأمل في إقناع بوتين بإنقاذه.
لكن الرئيس الروسي أبقاه منتظرًا أيامًا، وعندما التقيا أخيرًا، كان اللقاء قصيرًا للغاية. وبحسب المسؤول الإسرائيلي السابق الذي تحدثتُ إليه، قال بوتين للأسد إنه لا يستطيع أن يخوض حربه نيابة عنه، وإن الأمل الوحيد أمامه هو الذهاب إلى أردوغان وعقد صفقة. لطالما قدّرت روسيا علاقتها الاستراتيجية مع تركيا أكثر بكثير من علاقتها بسوريا. وما إذا كان الأسد قد أدرك ذلك أم لا، فغير معلوم. لكن بوتين لم يكن ليستهل حربًا جديدة ضد حلفاء تركيا من المتمرّدين لإنقاذ ديكتاتور صغير كان جنوده أنفسهم يفرّون من الخدمة.
كانت حلب قد سقطت بيد المتمرّدين بحلول الوقت الذي عاد فيه الأسد إلى دمشق. وبعد ساعات قليلة فقط، طار إلى أبو ظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، كما أخبرني أحمد. وليس واضحًا من التقى هناك أو ما الذي دار في تلك اللقاءات. كان الإماراتيون يخشون ميليشيات الشرع الإسلامية بقدر ما كانوا يخشون طهران. لكن لم يكن لديهم أي وجود عسكري على الأرض.
عند عودته إلى دمشق، حاول الأسد مناورة أخيرة، مستعينًا بـ«أدوات الملكية» التي كان يجمعها منذ سنوات. فقد نشر خبرًا مفاده أنه سيدفع رواتب باهظة للمتطوعين القادرين على إعادة تجميع الميليشيات التي ساعدت في الفوز بالحرب الأهلية قبل سنوات، بحسب ما قاله لي أحمد. لكن عندما سمع الجنود العاديون، الذين أمضوا سنوات يتقاضون أجورًا بالكاد تكفيهم للبقاء، بهذه العروض، استشاط كثيرون منهم غضبًا وتركوا مواقعهم.
كان المتمرّدون قد سيطروا الآن على مدينة حماة، وكانوا في طريقهم إلى حمص، على بعد نحو 100 ميل شمال العاصمة. وفي الوقت نفسه، بدأ قادة الحرس الثوري الإيراني الذين أسهموا في دعم النظام بتوضيب أمتعتهم والمغادرة. علم الجنود السوريون بانسحاب حلفائهم، وانتشر الذعر في صفوفهم. وتقدّم المتمرّدون جنوبًا من دون مقاومة تُذكر.
في 7 كانون الأول/ديسمبر 2024، عقد وزراء خارجية روسيا وسبع دول شرق أوسطية اجتماعًا طارئًا على هامش مؤتمر أمني سنوي في الدوحة، عاصمة قطر. لم يكن أيٌّ منهم يرغب في انهيار نظام الأسد. وأصدروا بيانًا دعوا فيه إلى وقف العمليات العسكرية، وإلى انتقال سياسي تدريجي يستند إلى قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي قبل عشر سنوات. وكان تنفيذ ذلك يتطلب موافقة الأسد وتعاونه، لكن المشكلة كانت أن أحدًا لم يتمكن من الوصول إليه. بدا وكأنه أغلق هاتفه.
وقدّم لي أحد أفراد مرافقة الأسد، الذي كان معه في ساعاته الأخيرة، الرواية التالية، طالبًا عدم ذكر اسمه لأنه لا يزال يعيش في المنطقة.
عاد الأسد من القصر إلى مقر إقامته الخاص في حي المالكي بدمشق قرابة الساعة السادسة مساءً. بدا هادئًا، وذكر أنه طمأن لتوّه ابن عمه إيهاب مخلوف بأنه لا داعي للقلق، وأن الإماراتيين والسعوديين سيجدون طريقة لوقف تقدّم المتمرّدين. وقد قُتل مخلوف لاحقًا تلك الليلة برصاص أثناء محاولته الفرار بالسيارة إلى لبنان.
في الساعة الثامنة مساءً، ورد خبر سقوط حمص بيد المتمرّدين. أثار ذلك الذعر في صفوف المرافقة. لكن الأسد طمأن مساعديه بأن قوات النظام كانت تتقدّم من الجنوب لتطويق العاصمة والدفاع عنها. لم يكن هذا صحيحًا، ولم يتمكن مصادري من الجزم بما إذا كان الأسد نفسه يصدّق ذلك. وخلال الساعات التالية، بدا وكأنه يتأرجح بين اليأس وتطمينات وهْمية بأن النصر وشيك — وهي حالة ذهنية مألوفة لكل من شاهد فيلم Downfall عن الأيام الأخيرة لهتلر في مخبئه ببرلين.

بعد الساعة الحادية عشرة ليلًا بقليل، وصل منصور عزّام، أحد كبار مساعدي الأسد، إلى المنزل برفقة مجموعة صغيرة من المسؤولين الروس. دخلوا جميعًا إلى غرفة مع الأسد للتحدّث. قال لي مصدري إنه يعتقد أن الروس كانوا يعرضون على الأسد مقاطع فيديو تُثبت أن قوات النظام لم تعد تقاتل.
بحلول الساعة الواحدة فجرًا، كانت قد وصلت إلى مرافقة الأسد أنباء تفيد بأن عددًا كبيرًا من أنصار النظام تخلّوا عن القتال وبدؤوا بالفرار من العاصمة باتجاه الساحل السوري، معقل الطائفة العلوية.
عند الساعة الثانية فجرًا، خرج الأسد من جناحه الخاص وأبلغ سائقه الذي رافقه طويلًا أنه سيحتاج إلى حافلات. وأصدر أوامره للطاقم بالبدء في توضيب أغراضه بأسرع ما يمكن. كانت مجموعة من الروس تقف خارج المنزل.
حتى تلك اللحظة، كان كثيرون من أفراد المرافقة يعتقدون أن الأسد سيتوجّه إلى القصر الرئاسي لإلقاء خطاب مقاومة أمام أنصاره. الآن فقط فهموا أن المعركة انتهت. كان يتخلى عنهم نهائيًا. تحرّك الأسد نحو الباب الأمامي، هذه المرة برفقة اثنين من مساعديه وابنه حافظ. وقيل للآخرين إنه لا يوجد مكان لهم.
وقف سائق الأسد، وهو رجل في منتصف العمر، عند الباب، محدّقًا في الرئيس بتعبير لا لبس فيه من خيبة الأمل.
«حقًا ستتركنا؟» قال.
نظر الأسد إليه. وحتى في هذه اللحظة الأخيرة، لم يتحمّل مسؤولية ما حلّ ببلاده. لم يكن هو من يخون أتباعه — بل كانوا هم من يخونونه، برفضهم أن يضحّوا بحياتهم من أجل تمديد حكمه.
«وماذا عنكم أنتم؟» سأل الأسد سائقه.
«ألن تقاتلوا؟»
ثم استدار وخرج إلى الليل.
كان الروس بانتظاره.
المصدر:
