من افتتاح مديرية الأوقاف بحمص

موكب المسؤول: بين صورة السلطة وصبر الناس

في أي دولة، لا يُعدّ وجود موكب رسمي أو سيارات حكومية أمرًا استثنائيًا. الوظائف العامة تحتاج إلى تنقّل وتنظيم وحماية. لكن في سوريا اليوم لا تُقرأ الصورة بوصفها إجراءً إداريًا فحسب، بل بوصفها رسالة عامة، لأن المجتمع يعيش واقعًا مختلفًا تمامًا: دولة تقول لمواطنيها إن الموارد محدودة وإن الأولوية للصبر، بينما توحي بعض المشاهد اليومية بانطباع معاكس.

فقد أظهر مقطع مصوّر مجموعة من السيارات الفارهة قيل إنها ضمن موكب وزير الأوقاف خلال زيارة إلى مدينة حمص لافتتاح مديرية للأوقاف. أثار الفيديو ردود فعل واسعة بين المواطنين، الذين رأوا فيه مبالغة غير مناسبة قياسًا بالظروف المعيشية الصعبة.

وبدل أن يُغلق الجدل سريعًا، برّر بعض المسؤولين المشهد بالقول إن الموكب لم يكن لشخص واحد، بل ضمّ عددًا من المديرين والمسؤولين المشاركين في الافتتاح. غير أن هذا التفسير لم يعالج جوهر المسألة. فالقضية لم تكن عدد السيارات بحد ذاته، بل معنى هذا الحضور المكثف في بلدٍ يناقش فيه المواطن يوميًا أساسيات الحياة: الخبز، النقل، الدواء، والكهرباء.

الناس لا ترى سيارة… بل ترى مفارقة.

من جهة، يُطلب من المجتمع التحمل لأن الدولة منهكة وتحتاج وقتًا، وهو خطاب واقعي إلى حد بعيد. لكن الواقعية السياسية تفقد معناها حين لا تنعكس على سلوك السلطة نفسها. فعندما يُطلب من الناس التقشف، يتوقعون — على الأقل — أن يروا تقشفًا مشابهًا لدى المسؤولين.

هنا تحديدًا ظهر اختلاف في الفهم.

ربما رأت الجهة المنظمة المناسبة حدثًا رمزيًا: تحويل مبنى كان سابقًا مكان احتجاز إلى مؤسسة خدمية دينية، وحضور المسؤولين تعبيرًا عن المشاركة. لكن فهم غالبية السوريين مختلف. فافتتاح دائرة حكومية لا يُنظر إليه بوصفه إنجازًا استثنائيًا، بل جزءًا من وظيفة الدولة الطبيعية، ولذلك بدا الحشد البروتوكولي مبالغًا فيه قياسًا بواقع البلاد.

حتى مع افتراض حسن النية، فإن الإخراج الإعلامي والبروتوكولي لم يكن موفقًا. فالمشهد لم يتناسب مع حساسية المرحلة، حيث تُقرأ التفاصيل الصغيرة بوصفها مؤشرات على اتجاهات أكبر.

المشكلة ليست أخلاقية فقط، بل إدارية أيضًا.

في الدول الخارجة من النزاعات، تحاول الحكومات الجديدة ترسيخ ما يمكن تسميته “العدالة الرمزية”: أن تبدو الدولة أقرب إلى حياة مواطنيها من السلطة السابقة. والسبب بسيط: الثقة لا تُبنى بالتصريحات بل بالإشارات اليومية. وفي سوريا، الثقة هي المورد الأندر.

لذلك فإن الاهتمام الشعبي بهذه التفاصيل لا يعني خصومة مع الدولة، بل العكس. هو تعبير عن شعور جديد بأن المواطنين شركاء في بلدهم، وأن من حقهم السؤال والتعليق والمحاسبة. أما تفسير كل نقد باعتباره سوء نية، فلا يردم الفجوة بل يوسعها.

فالمواطن الذي يسأل عن موكب لا يسأل عن سيارات، بل يسأل:
هل أولويات الدولة تشبه أولوياته؟

المجتمعات لا تفقد صبرها بسبب الفقر فقط، بل بسبب الشعور بعدم العدالة. يمكن للناس تحمّل ظروف قاسية إذا شعرت أن الجميع يتحمّلها بالتساوي، لكنها تفقد الثقة عندما ترى فجوة بين خطاب التقشف وصور الإنفاق.

الخلاصة ليست جدلًا، ولا خصومة مع أحد.
إنها مسألة علاقة بين دولة ومجتمع.

الدولة تقول: اصبروا.
والمجتمع يقول: نحتاج إشارات نثق بها.

إعادة بناء الدول لا تبدأ بالإعمار فقط، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن. وما يطلبه السوري اليوم ليس شعارات، بل أمور بسيطة: مسؤول يشبه الناس في سلوكه، وإنفاق ينعكس على الخدمات، وأولوية واضحة لما يمس الحياة اليومية.

في النهاية، ليست القضية موكبًا، بل عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب.
والدولة التي تريد الاستقرار طويل الأمد تحتاج قبل المال إلى الثقة، لأن الثقة — بخلاف الموارد — لا يمكن استيرادها.

بين صورة السلطة وصبر الناس
موكب المسؤول: بين صورة السلطة وصبر الناس 3