الحرية بين الحق والفوضى

الحرية… بين الحق والفوضى

في النقاشات العامة في سوريا اليوم، تكاد جملة واحدة تتكرر أكثر من غيرها: «تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين». تُستخدم أحيانًا للدفاع عن الحريات، وأحيانًا لتقييدها، وأحيانًا لإغلاق النقاش بالكامل. لكنها في الواقع ليست قاعدة مكتملة، بل محاولة مختصرة لتفسير فكرة أكثر تعقيدًا بكثير.

المشكلة أن السؤال الحقيقي لا يكمن في العبارة نفسها، بل في معنى “الاعتداء”.

فمتى يصبح فعل الفرد اعتداءً على المجتمع؟ ومتى يكون مجرد اختلاف؟

الخلط هنا واسع. فليس كل ما يزعج الناس اعتداءً، وليس كل ما يخالف العرف خطرًا، وليس كل ما لا يعجب الأغلبية تهديدًا للنظام العام. المجتمعات الحديثة لا تقيس الحرية بمقدار الراحة النفسية التي يشعر بها الآخرون، بل بوجود ضرر فعلي مباشر يمكن تحديده.

أن يخالفك شخص في الرأي لا يعتدي عليك.

أن يلبس بطريقة لا تعجبك لا يسلبك حقًا.

أن يعبّر عن نفسه لا يمنعك من التعبير.

لكن أن يمنعك من حقك، أو يهدد سلامتك، أو يحرّض عليك، أو يعتدي عليك… هنا تبدأ حدود الحرية.

لهذا السبب، في التجارب القانونية المستقرة، لا يُبنى تقييد الحريات على “الانزعاج”، بل على الضرر القابل للإثبات. لأن المشاعر متغيرة، أما الحقوق فيفترض أن تكون ثابتة. وعندما يصبح معيار المنع هو الاستياء العام أو الضغط الاجتماعي، فإن القاعدة لا تعود قانونية بل مزاجية.

وهنا يبدأ الإشكال.

في المجتمعات الخارجة من صراعات طويلة، يظهر خوف مفهوم من الفوضى. الناس تريد الاستقرار قبل أي شيء آخر، والسلطة تخشى الانفلات. لكن غالبًا ما يجري الخلط بين الفوضى والحرية، وكأن زيادة مساحة الحرية تقود تلقائيًا إلى انهيار النظام.

التجربة السياسية تقول العكس تقريبًا.

الفوضى لا تبدأ عندما تتسع الحرية، بل عندما تصبح حدودها غير واضحة.

حين لا يعرف المواطن ما هو المسموح وما هو الممنوع، أو حين يرى القاعدة تُطبَّق على شخص وتُتجاوز مع آخر، أو حين تتغير حسب المكان أو الجهة، يبدأ المجتمع بوضع قواعده الخاصة. وعندما يضطر الناس لتنظيم حياتهم خارج القانون، تظهر الفوضى فعلاً.

الاستقرار لا ينتج من تقليص الحرية، بل من وضوحها.

المواطن يمكن أن يتعايش مع قانون صارم إذا كان واضحًا ومطبقًا على الجميع، لكنه لا يستطيع التعايش مع قانون غامض حتى لو كان أخف، لأن الغموض يخلق شعورًا دائمًا بعدم الأمان. الخوف من العقوبة ليس أخطر ما في الأمر، بل الخوف من عدم القدرة على التنبؤ بها.

لهذا تتحول العبارة الشائعة أحيانًا إلى أداة عكسية.

فبدل أن تحدد حدود الحرية، تُستخدم لتوسيع المنع: مرة باسم الأخلاق، ومرة باسم العادات، ومرة باسم حماية المجتمع. وهنا لا تعود المسألة علاقة بين حقوق متساوية، بل علاقة بين سلطة اجتماعية وفرد.

المجتمع لا يحتاج حماية من الاختلاف، بل من الأذى.

والدولة لا تُقاس بقدرتها على ضبط السلوك، بل بقدرتها على حماية الحقوق.

الحرية ليست أن يفعل كل شخص ما يريد، لكنها أيضًا ليست أن يعيش الجميع بالطريقة نفسها. الحد الفاصل بينهما ليس الذوق العام ولا القبول الاجتماعي، بل وجود ضرر حقيقي واضح.

وعندما يصبح معيار المنع هو ما يقال أو ما يُستحسن أو ما يرضي الأكثرية، فإن النقاش لا يعود قانونيًا بل أخلاقيًا، وتتحول الحريات تدريجيًا إلى امتيازات قابلة للسحب.

في النهاية، لا تنهار المجتمعات بسبب الحرية، بل بسبب فقدان الثقة.

والثقة لا تُبنى بتقليص المساحات، بل بوجود قاعدة يعرفها الجميع:

ما هو حقي، وما هو حق غيري، وما الذي لا يحق لأحد انتهاكه.

الحرية لا تُختبر عندما نتفق،

بل عندما نختلف ونبقى قادرين على العيش معًا.

موضوعات ذات صلة