الهول: حين يتحوّل المخيم إلى محكمة
لا يبدو أن السواد في مخيم الهول شرق الحسكة، شمال شرق سوريا، مجرد لون؛ نساء كثيرات متلحفات بعباءات داكنة غطاها الغبار، يتحركن بين الخيام، بعضهن يحملن أطفالًا على أكتافهن، وأخريات يمسكن بأيدي صغار يسيرون حفاة أو بأحذية مهترئة أكلها الرمل. وجوه التصقت بها طبقة من غبار الصحراء، كأن المكان ترك بصمته عليهم منذ سنوات، حين تضخّم المخيم عام 2019، وتحوّل إلى نقطة احتجاز تجمّع لعائلات مرتبطة بتنظيم “داعش” بعد انهيار سيطرته الميدانية.
تعتبر الصورة الإنسانية في المخيم قاسية، وأما الخلفية فهي ثقيلة أيضاً؛ القاطنون/ت ارتبطت أسماؤهم/ن بتنظيم داعش، بوصف النساء زوجات لمقاتلين أو قريبات لهم، أو نساء وجدن أنفسهن عالقات في سياق لم يخترنه بالكامل. ولا يلغي هذا التعقيد المسؤوليات.
في مقاطع مصورة متكررة، تخاطب بعض النساء الصحفيين والصحفيات بلهجة حادة وتصفهم بـ”الكفار”، فيما تظهر أخريات في مشاهد مختلفة وهن يطلبن المساعدة أو يناشدن إخراجهن من المخيم مع أطفالهن.
ليس الأمر تناقضاً بقدر ما هو تعبير عن مواقف وآراء متباينة داخل المخيم؛ قناعات متشددة لدى بعضهن، وصمت لدى الأخريات، ولكنهن كلّهن لديهن رغبة في الخروج.
يتحدث تطور أخير عن توتر أمني واحتجاجات بعد بدء إشراف السلطات السورية الجديدة عليه بدلاً من قوات سوريا الديمقراطية، دفعت الاحتجاجات منظمات أممية إلى تعليق أنشطتها وإجلاء موظفيها، مع الإشارة إلى أن استئناف العمل ممكن بعد تقييم الوضع. هذه هي الصيغة الرسمية لما جرى.
وجاء ذلك بعد تقارير عن فرار عائلات من المخيم بطرق وصفتها التقارير الأممية بـ”غير الشرعية”، في حين منعت السلطات السورية المشرفة على المخيم عائلات أخرى من المغادرة. تصاعد التوتر، ووقعت اعتداءات على نقاط تابعة للمنظمات، فغادر فريق المنظمة الدولية مؤقتاً.
وبعيداً عن الصورة النمطية للمخيم، فالسؤال لا يتعلق فقط بماضي الأمهات، بل بمستقبل الأبناء. كيف يمكن معالجة ملف أمني وقضائي معقد، يضم آلاف الأشخاص من جنسيات مختلفة، من دون أن يتحول الأطفال إلى ضحايا دائمين لسياق لم يختاروه؟ وفي المقابل، كيف يمكن تجاهل خطورة بقاء بيئة تحمل بعض مظاهر التشدد الفكري من دون معالجة جذرية ومستمرة؟
يقف المخيم عند تقاطع هذين السؤالين، من دون إجابة واضحة. فعندما تُعلَّق الأنشطة الإنسانية، تتضاعف هشاشة التوازن القائم. المخيم ليس محكمة تفصل في الذنب والبراءة، لكنه أيضًا ليس مجتمعًا طبيعيًا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. هو مساحة انتقال طال أمدها، تتراكم فيها الملفات السياسية والقانونية فوق حياة يومية بسيطة، ويختلط فيها الانتظار بالخوف، والشك بالرغبة في الخروج.
ما يجري في الهول فصل جديد في عقدة لم تُحل بعد، تتداخل فيها مسؤوليات وتخلّي دولي في استعادة مواطنيه أو إيجاد حلول قانونية دائمة. وبين خطاب متشدد يطل أحيانًا أمام الكاميرا، ونداءات تطلب الخروج والنجاة، يبقى المخيم معلقًا بين مقاربتين: مقاربة أمنية ترى فيه خطرًا محتملًا، ومقاربة إنسانية ترى فيه أزمة ممتدة.
لا يفي اختزال مخيم الهول في توصيف واحد. هو مكان يجمع بين أفكار لم تُفكك، وأطفال يكبرون في مساحة مغلقة. والاحتجاجات الأخيرة، بما رافقها من تعليق للأنشطة، ليست سوى حلقة في قصة مستمرة، لم يُحسم مسارها بعد.

