حين خرج الصوت… ولم يخرج الخوف
الخوف بعد سقوط الخوف: لماذا يقمع السوريون آراء بعضهم؟
لم يعتد السوريون على الكلام.
هذه الجملة ليست مجازًا بل توصيفًا لحياة امتدت لعقود، كان فيها الصمت مهارة اجتماعية، لا مجرد خيار. لم يكن الامتناع عن التعبير ضعفًا، بل وسيلة نجاة. كان الإنسان يتعلم باكرًا أن الفكرة قد تؤذيه، وأن الجملة قد تصبح دليلًا ضده، وأن الصمت أحيانًا أكثر أمانًا من الحقيقة.
بعد سقوط النظام الذي حكم البلاد نصف قرن، حدث شيء لم يختبره السوريون من قبل: امتلأت المساحات العامة بالكلام.
لم تعد الأحاديث محصورة في البيوت، ولا في الهمس بين الأصدقاء، بل انتقلت دفعة واحدة إلى العلن. صفحات التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحات نقاش مفتوحة، يكتب فيها الجميع بلا وسطاء، بلا محررين، وبلا خوف قديم يراقب الجملة قبل نشرها.
لكن المفاجأة لم تكن في كثرة الكلام، بل في شكله.
بدل أن يصبح الاختلاف أمرًا طبيعيًا، بدا أحيانًا كأنه صدمة. الرأي لا يُناقش دائمًا، بل يُحاكم. الفكرة لا تُفكك، بل يُسأل صاحبها عن ماضيه ومكان إقامته وخياراته السابقة. من عاش خارج البلاد يُتهم بأنه لا يعرف، ومن بقي يُتهم بأنه صمت، ومن هاجر يُقال إنه تخلّى، ومن انشق يُسأل لماذا لم يفعل أكثر.
كأن المجتمع، الذي استعاد حق الكلام، لم يستعد بعد القدرة على سماع بعضه.
هذه ليست حالة سياسية بقدر ما هي حالة نفسية جماعية.
فالخوف الطويل لا يختفي بسقوط السلطة فقط. حين يعيش الناس سنوات وهم يراقبون كلماتهم، يتعلمون أن الرأي خطر. وعندما يزول الخطر فجأة، لا يتحولون مباشرة إلى مجتمع يقبل الاختلاف، بل إلى مجتمع يتوجس منه. لأن الذاكرة لا تزال تعمل: المختلف قد يكون تهديدًا.
لهذا تبدو النقاشات أحيانًا حادة إلى حد القطيعة. ليست لأن السوريين أكثر ميلاً للصراع من غيرهم، بل لأنهم حديثو عهد بالمساحة العامة. إنهم يتعلمونها الآن، أمام بعضهم، وبصوت مرتفع.
هناك أيضًا عامل آخر: طوال سنوات، كان الانقسام السياسي يعني خطرًا أمنيًا. لذلك كان الناس يبحثون دائمًا عن الاصطفاف الواضح؛ مع أو ضد. هذا النمط استمر بعد زوال الخطر، لكن بلا الدولة التي فرضته. فانتقل من الخوف من السلطة إلى الخوف من المجتمع.
وهنا تظهر المفارقة:
مجتمع حُرم طويلًا من التعبير، أصبح أحيانًا يقسو على التعبير ذاته.
لا يعني ذلك أن النقاشات سلبية بالكامل. على العكس، كثرة الآراء دليل حياة عامة بدأت تتشكل. المجتمعات لا تتعلم الحوار في لحظة، بل عبر الاحتكاك، والخطأ، والمبالغة أحيانًا. ما يحدث اليوم قد يكون المرحلة الأولى فقط: خروج الصوت قبل أن تتشكل ثقافة الاختلاف.
الحرية لا تبدأ بالاتفاق، بل بقبول أن الآخرين لن يتفقوا معنا دائمًا.
ولعل التحول الحقيقي لا يكون حين يستطيع الناس الكلام فقط، بل حين يستطيعون الاستماع دون خوف من أن يهددهم رأي مختلف.
ربما يحتاج السوريون وقتًا ليتعلموا أن الرأي ليس معركة، وأن الاختلاف لا يعني الخيانة، وأن المجتمع لا يتماسك بالصوت الواحد بل بتعدد الأصوات.
لقد خرج الكلام أخيرًا…
لكن الخوف من اختلاف ما يزال يتعلم كيف يغادر.



