حين تُدار ملفات البشرية وفق المصلحة الأوروبيّة
عاد ليتصاعد الحديث الأوروبي عن “عودة اللاجئين السوريين”، لكن الأسئلة المطروحة تبدو متعلّقة بطريقة إدارة هذا الملف أكثر من كونها نقاشًا جديًا حول العودة نفسها. فالنقاش لا يدور فقط حول من سيعود، بل حول من يُسمح له أن يكون حاضرًا في هذا النقاش، ومن يُستبعد منه بهدوء.
وتكشف اللغة المستخدمة في التصريحات السياسية الكثير، ولا سيما في ألمانيا التي تضم العدد الأكبر من السوريين. حديث متكرر عن ترحيل من تُصنّفهم السلطات بأنهم خارج سوق العمل أو متورطون بجرائم. تصنيفات جاهزة، سهلة التوظيف سياسيًا، تُقدَّم وكأنها جوهر المشكلة.
في المقابل، يمرّ الخطاب الألماني، والأوروبي عمومًا، سريعًا عند فئات أخرى أو يتجاهلها تمامًا: أطباء، ممرضون، مهندسون، تقنيون، وعمّال مهرة. سوريون يعملون منذ سنوات داخل أوروبا، يشاركون في قطاعاتها الحيوية، لكنهم يغيبون عن المشهد كلما فُتح ملف “العودة”.
لا يتطرّق هذا الخطاب إلى ما تحتاجه سوريا اليوم من كفاءات، ولا إلى دور هذه الفئات في أي حديث جدي عن إعادة بناء أو استقرار. ما يُطرح بدلًا من ذلك هو فرز إداري بارد: من يُسمح له بالبقاء، ومن يمكن الاستغناء عنه. وكأن العودة ليست خيارًا إنسانيًا أو حقًا مرتبطًا بالظروف وبمدى صلاحية البلاد للعودة، بل أداة تُستخدم عندما تقتضي المصلحة السياسية ذلك.
في الوقت نفسه، يبرز ملف آخر تغضّ أوروبا الطرف عنه منذ سنوات: ملف مواطنيها المنتمين لتنظيمات متطرفة والمحتجزين في سجون داخل سوريا والعراق. هؤلاء مواطنون أوروبيون، لكن القارة العجوز لا تُظهر استعدادًا فعليًا لاستعادتهم أو محاكمتهم وفق قوانينها. بدلًا من ذلك، يُترك الملف معلّقًا، ويُرحَّل عبؤه إلى الداخل السوري.
يُلقى هذا العبء على بلد أنهكته الحرب لأكثر من أربعة عشر عامًا، ببنية أمنية وقضائية هشّة، وواقع اجتماعي لا يحتمل أصلًا أعباء إضافية بهذا الحجم. عدالة مؤجّلة، ومسؤولية مُزاحة، بسبب صعوبات المرحلة وتعقيدات النهوض.
ما يجمع بين ملف عودة اللاجئين وملف المقاتلين الأجانب ليس التزامن، بل المنطق الذي يحكمهما. إدارة ملفات البشر بمنطق المسافة: ما هو قريب سياسيًا يُناقش ويُعاد تشكيله، وما هو بعيد أخلاقيًا يُترك. يُختزل اللاجئ في قيمته الإنتاجية، ويُختزل المقاتل المتطرف في كونه عبئًا خارج الحدود.
في الحالتين، لا يبدو أن السؤال المطروح هو ما الذي تقتضيه العدالة والإنصاف، بل أين يمكن دفع الكلفة… دون أن تُرى.



