بين الواقعية السياسية وامتحان الذاكرة

بين الواقعية السياسية وامتحان الذاكرة

يمكن القول إن للسياسة منطقها الخاص، وأن من يدخلها يضطر أحيانًا إلى استخدام لغة لا تشبه الذاكرة الجمعية للضحايا، حتى لو كان واحدًا منهم، أو إلى مجاملة قوى متورطة بالعنف، تحت عناوين المصالح أو ضرورات المرحلة. هذا ليس جديدًا في التاريخ السياسي، ولا يقتصر على الحالة السورية.

في السياسة، كثيرًا ما تُدفن الأخلاق تحت عناوين “الواقعية” و“البراغماتية”. وهي الأوصاف ذاتها التي طالما وُصف بها الرئيس السوري أحمد الشرع، وبرزت بشكل فجّ خلال زيارته الأخيرة إلى موسكو، حين قال عن روسيا بأنها “أرض مباركة”، ودعا لها بالسلامة، وامتدح جنودها بالشجاعة، في لقائه الأخير مع فلاديمير بوتين.

ولا تتوقف الإشكالية عند الخطاب السياسي نفسه، بل تبدأ فعليًا عند الطريقة التي استُقبل بها هذا الخطاب داخل فئة من المجتمع السوري. فروسيا لم تكن يومًا طرفًا بعيدًا أو محايدًا في مأساتهم؛ تدخلها العسكري كان مباشرًا، وارتبط بالقصف واسع النطاق، وتدمير أحياء كاملة، وسقوط آلاف الضحايا، إضافة إلى إنقاذ ديكتاتورية الأسد التي كانت تشارف على السقوط في عام 2015.

ما يُسرد عن روسيا وما ارتكبته من جرائم بحق السوريين ليس روايات عاطفية، بل وقائع موثقة عاشها المواطنون في تفاصيل حياتهم اليومية. وفي هذا السياق، لا يرفض كثير من السوريين مبدأ بناء علاقات طبيعية معها بوصفها قوة دولية فاعلة، بقدر ما يربطون أي حديث عن “التطبيع” بسؤال العدالة الانتقالية، والاعتراف بالجرائم، والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالبلاد والناس.

لكن اللافت، وربما الأخطر، لم يكن في الخطاب الرسمي نفسه، بل في اتساع الخطاب الدفاعي الذي رافقه. خطاب يبدأ بالتبرير، وبخلق الحجج والتفسيرات، ولا يلبث أن ينتهي بتحويل الاعتراض إلى فعل مشبوه أو غير وطني. هنا تحديدًا، يصبح من الصعب الاكتفاء بتفسير الظاهرة سياسيًا فقط، لأنها في جوهرها نفسية واجتماعية بقدر ما هي سياسية.

لقد تراكم الخوف عبر عقود الديكتاتورية الأسدية، ثم تعمّق خلال سنوات الحرب الأربع عشرة من القصف والعنف اليومي، ليؤدي اليوم دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل الوعي العام. هذا الخوف لم ينتهِ بزوال القبضة الأمنية أو بتغيّر موازين القوة، بل أعاد إنتاج نفسه في شكل آخر: خوف من الأسئلة، ومن النقد، ومن رؤية الخطأ.

لدى بعض السوريين، بات الاستقرار – أيًا كان شكله – قيمة تُقدَّم على الذاكرة، وعلى العدالة، وعلى الكرامة. في هذا المناخ، لا يعود الدفاع عن الخطاب السياسي تعبيرًا عن اقتناع، بل وسيلة لتجنّب مواجهة أكثر إيلامًا.

في هذا السياق، يتحوّل التبرير إلى آلية دفاع.

لا يُبرَّر الخطاب لأن مضمونه مقنع، بل لأن الاعتراف بخطئه يفتح بابًا مؤلمًا: باب الاعتراف بأن التضحيات لم تفضِ بالضرورة إلى خطاب يليق بها، وأن السلطة الجديدة قد تقول ما لا يشبه آلام الناس ولا يعترف بها.

الأخطر أن هذا التبرير يُقدَّم أحيانًا بوصفه “وعيًا سياسيًا”، بينما يُصوَّر النقد على أنه تهديد للاستقرار، أو حنين إلى الفوضى، أو عجز عن فهم تعقيدات المرحلة. وبهذا المعنى، لا يُلغى الاعتراض فقط، بل يُجرَّم رمزيًا، ويُعاد إنتاج منطق الإقصاء نفسه، ولكن بلغة جديدة: من لا يصفّق يُتَّهم، ومن يسأل يُخوَّن، ومن يعترض يُشيطَن.

الحقيقة أن الخطأ لا يكمن في السياسة وحدها، ولا في الأشخاص وحدهم، بل في تحويل الخوف إلى موقف عام. البشر يخطئون، والسياسيون يخطئون، وهذا أمر طبيعي. غير الطبيعي هو مطالبة المجتمع بتعليق ذاكرته، أو تبرير ما يناقض تجربته، باسم الواقعية السياسية.

ما دمّرته الطائرات لم يكن الحجر فقط، بل جزءًا من القدرة الجماعية على المحاسبة. والتحرر الحقيقي لا يكتمل بتغيّر الخطاب الرسمي أو التحالفات، بل بقدرة المجتمع على الفصل بين فهم السياسة، وبين التنازل عن الذاكرة والحق في النقد.

الخوف مفهوم، لكنّه لا يصلح أساسًا لوعي سياسي سليم. والتبرير، مهما بدا عقلانيًا، لا يعوّض غياب العدالة، ولا يمحو ما عاشه الناس فعليًا.

موضوعات ذات صلة